ابن عجيبة
467
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
والمعنى : راقبوا اللّه في حفظ ألسنتكم ، وتسديد قولكم ، فإنكم إن فعلتم ذلك أعطاكم ما هو غاية الطلبة ؛ من تقبل حسناتكم ، ومن مغفرة سيئاتكم . وهذه الآية مقررة للتي قبلها ، فدلت تلك على النهى عما يؤذى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهذه على الأمر باتقاء اللّه في حفظ اللسان ، ليترادف عليها النهى والأمر ، مع اتباع النهى ما يتضمن الوعيد من قصة موسى عليه السّلام ، واتباع الأمر الوعد البليغ بتقوى اللّه الصارف عن الأذى والداعي إلى تركه . ثم وعدهم بالفوز العظيم بقوله : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في الأوامر والنواهي فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً ، يعيش في الدنيا حميدا ، وفي الآخرة سعيدا . جعلنا اللّه منهم ، آمين . الإشارة : في الآية تسلية لمن أوذى من الأولياء بالتأسي بالأنبياء . روى أن موسى عليه السّلام قال : يا رب احبس علىّ ألسنة الناس ، فقال له : هذا شئ لم أصنعه لنفسي ، فكيف أفعله بك . وأوحى تبارك وتعالى إلى عزير : إن لم تطب نفسا بأن أجعلك علكا في أفواه الماضغين ، لم أثبتك عندي من المتواضعين . ه . واعلم أن تعظيم الرسول صلى اللّه عليه وسلم هو سبب السعادة والفوز الكبير ، وتعظيم أولياء اللّه وخدمتهم هو سبب الوصول إلى اللّه العلى الكبير ، وتقوى اللّه أساس الطريق ، وحفظ اللسان وتحرى القول السديد هو سبب الوصول إلى عين التحقيق . قال الشيخ زروق رضي اللّه عنه في بعض وصاياه - بعد كلام - : ولكن قد تصعب التقوى على النفس ؛ لاتساع أمرها ، فتوجّه لترك العظائم والقواعد المقدر عليها ، تعن على ما بعدها ، وأعظم ذلك معصية : الغيبة قولا وسماعا ، فإنها خفيفة على النفوس ؛ لإلفها ، مستسهلة ؛ لاعتيادها ، مع أنها صاعقة الدين ، وآفة المذنبين ، من اتقاها أفلح في بقية أمره ، ومن وقع فيها خسر فيما وراءها . قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ . . . الآية ، فجعل صلاح العمل متوقفا على سداد القول ، وكذلك ورد : أن الجوارح تصبح تشتكي اللسان ، وتقول : اتق اللّه فينا ، فإنك إن استقمت استقمنا ، وإن اعوججت اعوججنا . فلا تهمل يا أخي لسانك ، وخصوصا في هذه الخصلة ، فتورع فيها أكثر ما تورع في مأكلك ومشربك ، فإذا فعلت طابت حياتك ، وكفيت الشواغب ، ظاهرا وباطنا . ه . فإذا تحققت بالتقوى ، وحصّنت لسانك بالقول السديد ، كنت أهلا لحمل الأمانة ، كما قال تعالى : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 72 إلى 73 ] إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً ( 72 ) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 73 )